"الهمسات خلف الجدران" الفصل6
حين لامست أصابع ليلى سطح الباب العتيق، دوّى في القاعة صرير طويل كأن القصر يحتجّ على جرأتها. ارتعشت يداها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، لكنها أدركت أن لا سبيل للهروب؛ كأن الأبواب جميعها قد أُغلقت خلفها منذ دخلت.
أحسّت بنسمة باردة تمرّ بجانب أذنها، ومعها جاء صوت هامس، خافت لكنه واضح:
ــ "ليلى… لقد اقتربتِ."
تلفّتت حولها مذعورة. لم يكن هناك أحد. الجدران الرمادية صامتة، المرايا غارقة في دخانها، والثريا المكسورة تمايلت فجأة كما لو أن أحدًا قد مرّ من تحتها.
اقتربت من الباب من جديد، ولمسته بحذر. هذه المرة لم يُفتح، بل انبعثت من نقوشه الخشبية خطوط ضوء باهتة، ترسم الرمز ذاته الذي رأته في أحلامها وفي المرآة. ارتفعت ضربات قلبها حتى خُيّل إليها أن القصر يسمعها.
خطت إلى الوراء، فإذا بأصوات أخرى تتعالى… كأن عشرات الهمسات تخرج من بين الشقوق: أصوات رجال ونساء وأطفال، متداخلة، متقطعة، لكنها تحمل نفس الكلمة:
ــ "السراب… السراب…"
وضعت يديها على أذنيها محاولة أن تطرد الضجيج، لكن الأصوات ازدادت وضوحًا، بل راحت تتحول إلى جمل متقطعة:
ــ "لا تثقي… لا تفتحي…"
ــ "الطريق ليس لك…"
ــ "إن اقتربتِ أكثر… ستُسلبين…"
شعرت أن قدميها قد ثُبتتا في الأرض، وأن شيئًا ما يجرّها نحو الباب. حاولت المقاومة، لكن جسدها تقدّم رغمًا عنها، كأن خيوطًا غير مرئية تسحبها.
وقبل أن تلمس يدها مقبض الباب، انطفأ كل شيء. الأضواء الخافتة خبت، الهمسات سكنت، وحتى أنفاسها صارت لا تُسمع. ظلام مطبق لفّ المكان.
وفجأة… انعكست في إحدى المرايا صورة لم تكن صورتها. كان هناك وجه آخر… فتاة تشبهها حدّ التطابق، لكنها تبتسم ابتسامة باردة، وعيناها تلمعان بلون لا إنساني.
قالت الصورة بصوت عميق متداخل:
ــ "أنا ظلّك يا ليلى… وما وراء الباب ليس لك وحدك."
ثم انطفأت المرآة، تاركة قلبها يغرق في رعب لم تعرفه من قبل.